السيد محمد حسين فضل الله

25

من وحي القرآن

باعتبار أنها واردة في مقام تسلسل الخلق ، دون أن يتم الخلق من ضلع آدم ، فإن الآية لا تدل عليه ؛ بل يمكن أن يتجه النظر نحو الجزء المتبقي من الطينة التي خلق منها آدم . وقد ورد ذلك في حديث عن الإمام محمد الباقر عليه السّلام في ما رواه في تفسير الميزان ، عن نهج البيان للشيباني ، عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه قال : سألت أبا جعفر عليه السّلام : من أي شيء خلق اللَّه حواء ؟ فقال عليه السّلام : أي شيء يقولون هذا الخلق ؟ قلت يقولون : إن اللَّه خلقها من ضلع من أضلاع آدم . فقال : كذبوا ، أكان اللَّه يعجزه أن يخلقها من غير ضلعه ؟ فقلت : جعلت فداك ، من أي شيء خلقها ؟ فقال : أخبرني أبي عن آبائه قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم : إن اللَّه تبارك وتعالى قبض قبضة من طين ، فخلطها بيمينه ، وكلتا يديه يمين ، فخلق منها آدم وفضلت فضلة من الطين ، فخلق منها حوّاء « 1 » . ومما يؤكد ذلك أن اللَّه تحدث في آيات أخرى عن الموضوع بطريقة الجمع ، مما يدل على أن المراد من خلق الزوج من نوعه ومن عنصره الأصلي وذلك في قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها [ الروم : 21 ] ، وفي قوله تعالى : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [ النحل : 73 ] ، فإن من المعلوم من خلال طبيعة التعبير ، أن المراد منه أن اللَّه خلق لكل إنسان من داخل نوعه زوجا ، لا من بعض أعضاء جسده . واللَّه العالم . هذا في جانب ، وفي جانب آخر فإننا قد نستوحي من عنوان « النفس الواحدة » الرفض القرآني لكل جوانب التمييز العنصري والعرقي واللوني واللغوي والجغرافي ، فإن هذه العناصر المتنوعة لا تمثل عمقا في إنسانية

--> ( 1 ) - الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت - لبنان ، ط : 1 - 1411 ه - 1991 م ، ج : 4 ، ص : 151 .